ريتشارد داوكنز وورطة الإنتخاب الطبيعي - الجزء الأول

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتقدون لنظرية التطور كثيرون، وهذا ما جعلني أعدل عن فكرة نقد النظرية من حيث الجانب البايولوجي، فقررت أن أتكلم عن مبدأ الانتخاب الطبيعي فقط، وهو الدعامة الرئيسية لنظرية التطور.

قرأت كتاب "صانع الساعات الأعمى" لريتشارد داوكنز، ووجدت فيه إلهاما لمقالي هذا، لقد شدني السير المنطقي للأدلة على الانتخاب الطبيعي كمبدأ تقوم عليه نظرية التطور، وما شدني أكثر هو مدى ركاكة هذا المبدأ وسذاجته!

لو تسنى لنا هدم هذا المبدأ، أو على الأقل جعله مفتقرا إلى ترجيح في قبال الفرضيات الأخرى، لسقطت نظرية التطور برمتها، هذا المبدأ لا يتطرق إليه علماء البايولوجي كثيرا، ولا المدافعون عنه، والسبب واضح برأيي: فهو مبدأ ركيك لدرجة إني أعتقد بأن من السذاجة العلمية الإيمان به كمسلّمة، بل من السخف!!

لابد قبل أن نتكلم في نقد هذا المبدأ، لابد من تقرير هذا المبدأ وتوضيحه بأفضل صورة ممكنة. أستطيع أن أعبر عن مبدأ النتخاب الطبيعي بالمرحلة الثانية من مراحل التطور، فالمرحلة الأولى هي الطفرة الوراثية.. المرحلة الأولى متضمنة في داخل المرحلة الثانية، فلا يمكن اعتبار مبدأ النتخاب الطبيعي منتجا لأنواع جديدة أو تغيرات في الأنواع الحالية، إلا من خلال المرحلة الأولى وهي الطفرات الوراثية المتراكمة.

الإنتخاب التراكمي: هو عملية تراكم الطفرات الوراثية، مع عمليات انتخاب طبيعي متعددة تنتج الأنواع الجديدة، وتفنى الكثير من الأنواع بموجبها.

لابد من التأكيد على أن الانتخاب الطبيعي بمرحلتيه، هو عملية عشوائية لا غاية لها، ولا مسيرة محددة لها، أي أنها تخلو من كل عوامل الذكاء، أو الدعم باتجاه معين، سوى العوامل الخارجية العشوائية، بيئية كانت أو غيرها، والعوامل الداخلية التي تحقق الطفرات على أساسها، أي أنها "عمياء ولادية" إن جاز التعبير.

  • صانع الساعات الأعمى
يبدأ ريتشارد داوكنز بسرد أمثلة عديدة في الطبيعة ومدى دقة آلية عمل بعض وظائفها ودقتها، ويتكلم حدود 15 صفحة عن طريقة الخفاش في تحسس طريقه ليلا، ودقة عمل السونار، وكان من أكثر النقاط إثارة بالنسبة لي هي أن الخفاش يمتلك آذان دقيقة جدا، بإمكانها التقاط أبسط الترددات، ولكن ترددات السونار التي يطلقها الخفاش لابد أن تكون عالية، فبالتالي فإن تلك الترددات سوف تعطب الأذن لحساسيتها، ولذلك فقد طور الخفاش!!! (وكأن الخفاش عبقري سبق البشر بملايين السنين في تطوير الرادار) طور آلية حماية لأذنه الحساسة، فهو يطلق ترددات عالية جدا في الوقت الذي يفعّل آلية الحماية لأذنه، وعند توقفه عن إطلاق تلك الترددات يلغي آلية الحماية حتى يسمع صدى أو ارتداد تلك الترددات فيميز من خلال الأطوال الموجية للموجات المرتدة أبعاد الأجسام التي أمامه، فهو حقيقة يعتمد على الصوت بصورة مباشرة لتحسس طريقه، بحيث يقوم بهذه العملية مئات المرات في الثانية الواحدة ما يتيح له تحسس طريقه بدقة كأنه يراه، وهو أيضا قد طور لنفسه إضافة إلى جهاز الحماية لأذنه، آلية دقيقة جدا لقياس الأطوال الموجية للترددات المنعكسة.

من أكثر الأمثلة إعجابا هو مثال عين حشرة العثة و كيف أنها كانت مصدر إلهام لمطوري القرص الضوئي CD، فعين العثة عبارة عن عصيات دقيقة طول كل واحدة منها هو نصف الطول الموجي للضوء، لقد تم حساب ذلك بحيث لا تزيد ولا تنقص إطلاقا، وإلا فقدت وضيفتها، ما يؤدي بالعين إلى امتصاص أقل مقدار من الضوء بدون أي انعكاس وهو ما يعينها على أن ترى في الظلام الدامس بحثا عن طعام، وهذا نفسه مبدأ عمل القرص الضوئي، فهو محبب بحبيبات طولها الموجي يساوي نصف الطول الموجي لليزر المستخدم في قراءة القرص، وبالتالي فإنه يمتص الليزر تماما، ولكن حتى نستطيع كتابة البيانات عليه فإننا نقوم بحرقه! وعملية الحرق هي ببساطة شديدة إحداث حفرة في هذا السطح الحبيبي، ليكون عبارة عن تشويه ينعكس عليه الليزر ليتم قراءته، وكل بت bit يتمثل بحفرة إن كان 1، و 0 إن كان سليما غير محفور، وهكذا يتسنى لنا كتابة البيانات على القرص الضوئي وقراءتها.

يصل بعد ذلك صاحبنا ريتشارد إلى أهم عرض لآلية التطور بواسطة الانتخاب الطبيعي، فيتكلم عن آلية عمل قفل التركيبة المستخدم في الخزنات التي توضع في البنوك لحفظ الأموال، وهي باختصار:
  • نحن عندنا قرصان دواران، كل قرص عليه مئة رقم.
  • لابد من إدخال 4 أرقام على القرص الأول وذلك بتدويره، ولابد أن يكون الإدخال بالترتيب المقرر لها.
  • لابد أيضا من إدخال 4 أرقام على الثاني بالترتيب المقرر لها.
  • الترتيب شرط ضروري من أول رقم حتى آخر رقم على كلا القرصين، وإلا فلزام عليك أن تعيد من البداية.
أرجو من القارئ الكريم الصبر في قراءة المثال، فهو مثال مهم وجيد لفهم آلية التطور، لو أردنا حساب احتمال حصولنا على التركيبة الصحيحة لفتح الخزنة، فهو كالتالي:

لدينا علم إجمالي (هو العلم الذي لا يتضمن جزما، بل هو علم احتمالي، بخلاف العلم التفصيلي الذي يحتوي على اليقين والجزم)، ويوجد محوران في هذا العلم الإجمالي، المحور الأول هو أن نحصل على تركيبة صحيحة، والمحور الثاني هو أن لا نحصل عليها.

لو أخذنا قرصا واحدا وقمنا بدراسة آلية تفكيرنا في تطبيق الاحتمال عليه، فهناك مجموعة أطراف العلم الإجمالي، كل طرف هو عبارة عن حالة event، من شروط مجموعة الأطراف للعلم أن تكون متكاملة، ونحن عندنا 100 رقم، بالتالي عندنا 100 حالة، وهذه هي مجموعة الأطراف.

لكي نعرف قيمة احتمال كل حالة من هذه الحالات، لابد أن نقوم بقسمة رقم كل طرف على عدد أطراف العلم الإجمالي، وبما أننا لا نرجح حالة دون أخرى، أي لا يوجد مرجح لرقم من هذه الأرقام الـ 100 على أي رقم آخر، فإننا نقسم رقم كل واحد على عدد الأطراف بالتساوي:

إذن، إحتمال أي حالة من الحالات الـ 100 هو: 1/100.

الآن، عندنا مئة حالة في المرحلة الأولى، ونريد أن نعرف كم حالة سوف تتكون عندنا إذا أردنا أن ننتقل إلى المرحلة الثانية، أي لو اخترنا رقما وكان على سبيل المثال 56، ففي المرحلة التالي، ماذا سيكون احتمال أن نختار أي رقم من الأرقام المئة، ومن الواضح أن ذلك هو نفس احتمال أي حالة من الحالات الـ 100 في المرحلة الأولى وهو: 1/100، والسبب استقلالية المرحلة الأولى عن الثانية.

إذن فعدد الحالات في المرحلة التالي هي: 100 * 100 = 10000.

وهذه الحالات هي:
  1. أن نختار 1 في المرحلة الأولى و 1 في المرحلة الثانية.
  2. أن نختار 1 في المرحلة الأولى و 2 في المرحلة الثانية.
  3. ....
  4. أن نختار 2 في المرحلة الأولى و 1 في المرحلة الثانية.
  5. ....
وهكذا حتى نصل إلى 10000 حالة.

الآن لابد أن نحسب ما هو عدد الحالات في أربعة مراحل مفترضة، وبشكل طبيعي نجد بأنه كما أوضحنا سابقا هو: 100 * 100 * 100 * 100 = 100,000,000.

والآن، لو أردنا أن نرى كيفية تجمع قيم الاحتمال في كل محور من محاور العلم الإجمالي، المحور الأول أن نحصل على تركيبة صحيحة، والمحور الثاني عدم حصولنا على تركيبة صحيحة. لابد أن لا ننسى بأن العملية عشوائية، فهي بطبيعتها تفرض الاستقلالية في كل مرحلة عن المرحلة التالية.

لو كان التركيب الصحيح مثلا هو: 10، 35، 62، 99، ونحن لدينا إمكانية السير في خط واحد، فليس هناك مجال للعودة للوراء لتصحيح الخطأ، أي أن المراحل مستقلة عن بعضها البعض.
  1. إحتمال أن نحصل على 10 في المرحلة الأولى هو: 1/100.
  2. إحتمال أن نحصل على 35 في المرحلة الثانية هو: 1/100.
  3. إحتمال أن نحصل على 62 في المرحلة الثالثة هو: 1/100.
  4. إحتمال أن نحصل على 99 في المرحلة الثالثة هو: 1/100.
أي أن لدينا حالة واحدة صحيحة بترتيبها المقرر، فيتجمع دائما عندنا على المحور الأول احتمال صحيح واحد فقط، بينما يتجمع على المحور الآخر كل الاحتمالات الباقية، بحكم استقلالية المراحل الأربعة. أي أن محور احتمال حصولنا على تركيبة صحيحة من تجارب عشوائية هو 1، بينما احتمال عدم حصولنا على تركيبة غير صحيحة هو: 100,000,000 - 1 = 99,999,999.

فقيمة احتمال أن نحصل على تركيبة صحيحة بمرورنا في أربع مراحل مستقلة عن بعضها هو: 1/100 * 1/100 * 1/100 * 1/100 = 1/100,000,000.

وقيمة احتمال أن نحصل على تركيبة غير صحيحة من تلك المراحل الأربعة هو: رقم اليقين - قيمة احتمال المحور الأول = 1 - 1/100,000,000 = 99,999,999/100,000,000.

والسبب في صحة حالة واحدة فقط تتجمع في المحور الأول هو: ليس مقبولا أن نصل في أي مرحلة من المراحل لنختار رقما خاطئا ثم تحتسب تلك حالة في صالح المحور الأول، فالفرض هو استقلالية كل مرحلة عن المراحل الأخرى، ولهذا فلزام علينا أن نجتاز المراحل كلها بنجاح حتى نحصل على التركيبة الصحية للقفل، بكلمة أخرى: ليس هناك جزاء متوسط، بل يوجد جزاء أخير فقط، إذن فهناك حالة واحدة فقط صالحة في المحور الأول.

هنا نصل إلى أهم مرحلة من مراحل توالد اليقين، وللعلم فإن ما كنا بصدده حتى الآن هو مرحلة التوالد الموضوعي من الدليل الإستقرائي، والمرحلة الآتية هي مرحلة التوالد الذاتي التي تنتج اليقين الموضوعي. من خصائص التوالد الموضوعي هو عدم تمكنه من أن تنتج اليقين بالموضوع، ولهذا فنحن لا نزال نعتبر احتمال تحقق التركيبة الصحيحة ممكن، إلا أن احتماله ضعيف وهذا هو حد المذهب التجريبي بأبهى صورة.

ولكن لو لاحظنا، فإننا نستهجن من يقول بذلك، فنحن نعتبره من أغرب الأمور تحققا، وهذه هي طبيعة العقل البشري، فهو مصمم بحيث لا يحتفظ بالقيم الاحتمالية الصغيرة جدا، هنا يأتي دور التوالد الذاتي ليضع قاعدة مفادها: أن العقل البشري يحكم على المحور الذي تجمعت به القيم الإحتمالية الكبيرة بأنه يقين، والمحور المضاد بأنه استحالة، وبكلمة أخرى: يحكم الذهن البشري على الاحتمال القريب من الصفر بأنه مستحيل لأن الذهن البشري لا يستطيع أن يحتفظ بالاحتمالات القليلة جدا حتى كتصور، فضلا عن أن يعتقد بها تصديقا، طبعا هذا له شروط ولكني سوف أتجنبها ومن أراد التوسع فليرجع إلى القسم الثاني من الفصل الثالث من كتاب الأسس المنطقية للاستقراء للمفكر محمد باقر الصدر.

أعتذر للأخوة القراء لأني أطلت في هذا المثال قليلا، ولكن ثمرة هذه الإطالة سوف تتجلى لاحقا عندما نناقش الانتخاب الطبيعي وآلية عملة، فنستنتج بأن نظرية التطور لم ترقى لأن تقدم حتى هذه اللحظة دليلا على إمكانية تحقق التطور بتلك الطريقة المفترضة، ولم يقدموا سوى أدلة تعود بعد تحليلها إلى هذا النمط فقط ليس إلا.

طبعا يعترض ريتشارد داوكنز على هذا التفسير للتطور أشد اعتراض، فهو لا يعتبره طريقة سليمة لتفسير الانتخاب الطبيعي، فهو يعتبر أن هناك مراحل وسطية، وليست العملية بهذه الصورة لكي نصل إلى غاية محددة أو هدف معين، بل العملية عمياء! بحسب تعبيره. ولكننا عندما ننتقل إلى المثال التالي، سنجد بأنه يعجز عن إعطاء تبرير بديل، سوى محاولة للغش باعترافه!

  • METHINKS IT IS LIKE A WEASEL
هذه الجملة موجودة في إحدى روايات شكسبير، وهي تحتوي على 28 حرف، ريتشارد داوكنز يعتمد عليها لكي يثبت وجهة نظرية في إمكانية التطور الداروني بواسطة الإنتخاب الطبيعي.

يقول ريتشارد داوكنز، بأننا لو وضعنا قردا يحاول كتابة كل روايات شكسبير وأعطيناه الوقت الكافي كأن يكون ترليونات السنين، فإنه في النهاية سوف ينجح! ولكننا سوف نأخذ هذه الجملة من إحدى رواياته بدل كل رواياته.

يقرب ريتشارد داوكنز طريقة عمل الانتخاب الطبيعي من خلال مثال القرد وهذه الجملة بطريقين:
  • أن نعتقد بأن الانتخاب الطبيعي يعمل كالتالي:
كما فعلنا في المثال الأول، وهو وجود علم إجمالي باحتمال كتابة القرد للجملة صحيحة أو لا، نضع بعد ذلك احتمال كتاب كل حرف من الأحرف الـ 28، فيكون 1/27، لأن اللغة الإنكليزية تحتوي على 26 حرف بالإضافة إلى الفراغ space، واحتمال أن يضرب القرد على ذلك الحرف عشوائيا متساوية بين كل الحروف، بمعنى أنه لا يوجد عندنا مرجح مسبق لأن يضرب القرد علي حرف بالخصوص.

فاحتمال أن يكتب القرد هذه الجملة بصورة صحيحة هو:

(1/27)^28 = 8.3524638286239218105110731828772e-41

وهذا احتمال قليل جدا بحيث إنه يفنى كما ذكرنا في المثال السابق، أي أننا لن نحتمل أن يكتب القرد الجملة بصورة صحيحة إلى بعد مليارات المحاولات، وهذا أمر غير مقبول إطلاقا من العقل البشري. حيث إن محور نجاح القرد بكتابة الجملة صحيحة هو هذا الحتمال الضعيف، في حين أن احتمال نجاح القرد في عدم كتابة الجملة صحيحة هو المحور المقابل الذي يحتوي على تراكم احتمالي يوصله إلى درجة اليقين الموضوعي كما بينا في المثال السابق.

هذه الطريقة تفرض العشوائية بأكبر صورة، وتفترض عدم وجود غائية في العمل الذي يقوم القرد به.
  • أو أن نعتقد بأنه يعمل كالتالي:
نجعل القرد يكتب جملة، ثم بعد ذلك نأخذ نفس تلك الجملة لنبدأ عملية تغيير في حروفها، وكلما وجدنا حرفا توافق مع الجملة الأصلية نبقيه، ونبدأ العملية من جديد، وهكذا فإن الفراغ الاحتمالي أو المجموعة سوف يقل بشكل كبير، وسوف يكون عندنا أسوأ احتمال لتطابق الجملتين هو الخطوة الأخيرة المتمثلة بالرقم التالي: 27 * 28 = 756، حتى لو فرضنا حصول تغيرات متوسطة، أي أننا لا نفترض بأننا نمر على الحروف حرفا حرفا، بل نمر عليها زوجا وجا، ونغير كل حرفين سويا، أو كل ثلاثة حروف، أو أربعة، فإن الاحتمال يزيد ولكننا نصل في غضون آلاف المحاولات ليس أكثر.

وهذه الطريقة يعترف بها ريتشارد داوكنز كتعبير نموذجي للانتخاب الطبيعي ولكن!!! المغالطة هي أن هناك هدف، أي علة غائية..! بالإضافة إلى أنه يحتمل الثبات في كل الحروف عدا الحروف المتغيرة بدرجة عالية جدا، بل يجزم بذلك، ولا يوجد أي مبرر لمثل هذا الافتراض بحد ذاته، لأن الطبيعة العشوائية التي يفرضه الانتخاب الطبيعي تحتم أن لا يكون هناك احتمال ثبات أي من الحروف، فهي دائما محتملة التغير.

نص تعبير ريتشارد: "التطور ما هو إلا مصمم أعمى، يعتمد على التجربة والخطأ"! فبالتالي من غير السليم افتراض علة غائية أو هدف يقصده الانتخاب الطبيعي، فالطريقة الثانية التي يوضحها ريتشارد داوكنز، يعترف فيها بالغش، أي أن هناك غشا في العملية بفرض غاية للوصول إليها، ولكنه مع ذلك يقول: "استطعنا أن نثبت شيئا ما"! ولا أدري ماذا أثبت هذا الجهبذ، بربكم هل هذا كلام عالم؟!

"التطور ما هو إلا مصمم أعمى، يعتمد على التجربة والخطأ"، لقد طبق سيد ريتشارد طريقة البشر التجريبية في التوصل إلى معارف جديدة، ونسي بأن الإنسان كائن ذكي وواعي، ويتعلم من ماضيه بحيث يتقدم في تطويره للتجربة ويستفيد من نتائجها بدقة، بل ويستخدم حسابات الاحتمال بصورة غاية في الذكاء لتنمية علمه بتحقق تجربة ما، لقد وضع ريتشارد هذا الفرض للانتخاب الطبيعي الأعمى بتعبيره، إلا أن يعتبر أن للتطور عاملا واعيا وراءه، يدفع بعجلة التطور إلى هدف وغاية معينة أو على الأقل محتملة، وهو احتمال سوف نناقشه كفرضية محتملة في الجزء القادم من المقال.

والمغالطة الثانية التي بنى ريتشارد عليها نتائجه هي: استخدامه للكومبيوتر في العملية، أي أنه لم يستخدم القرد للوصول إلى النتائج، بل استخدم الكومبيوتر، ولكن الكومبيوتر مبرمج لتطبيق خوارزميات محددة قام هو بوضعها في البرنامج، وبتعبير آخر أن هناك ذكاء اصطناعي يقوم الكومبيوتر على أساسه في التوصل إلى النتائج، ولا يحيد عنها قيد شعرة! وهذا لا يمكن أن نعتبره عاملا عشوائيا كالطبيعة "العمياء!"، بالإضافة إلى أنه لم يستخدم كل الحروف في اللغة، بل استخدم الحوف الكبيرة CAPs، أي أنه قلل الاحتمال أكثر حتى يضفي القليل من الحيوية للمسألة، وإلا أصبحت من الصعوبة بمكان لتحييدها بهذه الصورة التي عرضها.

ثم بعد ذلك يأتي ليعطي مثالا في الصناعات، عن كيفية استخدام نفس طريقة التطور الداروني في الصناعات الحديثة، يضرب مثالا بطريقة إمداد مجموعة من النقاط بغاز أو سائل معين، وبعد ذلك نذهب إلى تطوير الإمداد بصورة بحيث يقلل الضغط على الأنابيب بمد مجموعة من الأنابيب الفرعية التي تتفرع بدورها إلى أنابيب فرعية تمد النقاط بصورة مباشرة. طبعا برنامج الكومبيوتر هو من طور العملية بصورة عشوائية لكي يصل إلى أقل ضغط بنحو من التفرعات يبتكرها، والمغالطة هنا تكمن فيما يلي: العشوائية التي تمت وفقها عملية انتخاب أفضل طريقة لمد الأنابيب هي في كيفية مدها، لا في الغاية من مدها! بمعنى آخر بأن العشوائية كانت تستهدف طريقة مد الأنابيب للوصول إلى أقل ضغط ممكن، وهكذا نحن نضع نصب أعين الذكاء الإصطناعي المبرمج في الكومبيوتر هدفا وهو الوصول إلى أقل ضغط ممكن، ولو رفعنا هذا الهدف لأصبحت المسألة عشوائية برمتها ولن تصل في النهاية إلى نتيجة، أي أنه يقبل العلة الغائية في موارد لكي يخرج من المأزق.

"التطور هو تكيف مع ضروف متغيرة"، وهذا ما ينص عليه كلام ريتشارد، إذن فهو يعتمد على هذه النظرية في أغلب الأحيان لكي يصل إلى مطلبه وهو إثبات التطور، ولكن لم يعطينا مثالا واحدا على عشوائية التطور، وكما ذكرت بأننا سوف نتكلم عن آلية التطور وإمكانيتها تحت إطار قوة تدفع باتجاه معين وعن إمكانيتها.

أفضل عرض قدمه داوكنز هو: لو فرضنا بأن مراحل التطور تتطلب انتخابا طبيعيا للأصلح، من حيث قدرته على التكيف مع الطبيعة، فإن ذلك ينبئ بأننا لابد من مواجهة انقراض تدريجي لكائنات معينة في نفس الوقت الذي يكون هناك ظهور لكائنات مشتركة معها في خصائص كثيرة، بل التغير بحسب الفرض لابد أن يكون ضئيلا، وبالتالي فإن الانقراض الدائم لكائنات وظهور كائنات أخرى يفترض أن يكون أسرع كثيرا مما هو مسجل في السجلات الأحفورية التي بني على أساسها العصور. بل وحتى في العصور فإننا لا نشهد فناء لأنواع كثيرة تدريجيا، بل نشهد فناء دفعيا لأغلب الكائنات الحية، مع ظهور كائنات كثيرة جديدة.

والأمر أن ما فرضوه مراحل انتقالية ليس مبررا لقبول الانتخاب الطبيعي كمبدأ يدفع بعجلة التطور نحو الأمام، بل ما فرضوه مراحل انتقالية ليس له مصداقية بحد ذاته إذا ما تزعزع صرح التطور بنفسه، فهو بهذه الكيفية يكون فرضا مبنيا على مصادرة، أي أننا نفترض مسبقا قبولنا للنظرية ونفسر على ضوئها كل الشواهد والأدلة الأحفورية، ولو فرضنا غير نظرية التطور لوجدنا تفسيرا صحيحا أيضا، إذن نظرية التطور ليس المفسر لهذه الأدلة الأحفورية، بل ما هو ليس بدليل أخذ كدليل تعسفا من قبل التطوريين.

ومع فرض عشوائية الانتخاب الطبيعي، فإنه لا ضمان في الانتخاب العشوائي أن تثبت صفة وراثية، فهو عشوائي بطبعه، ويتأثر بالضغوط الخارجية أو الأخطاء الصغيرة، فلا يوجد ضمان بأن تبقى صفة وراثة جيدة، بل احتمال تنمية صفة جديدة في قبال ملايين الاحتمالات الأخرى تجعل من المحتم أن يتجه الانتخاب الطبيعي دائما بالكائنات نحو أجيال أسوأ لا أفضل، ونتساءل بعد ذلك: هل كانت العشوائية في تعديل الحمض النووي منتجة لأجيال أفضل، هذا ما لم نشهده حتى الآن، وما شهدناه فقط هو التعديل الدقيق جدا الذي أتاح لنا الاستفادة من تلك التغيرات مع دراسة عميقة للأحماض النووية لمختلف الكائنات الحية، واستغل ذلك في إنتاج اللقاحات مثلا. ونحن نلاحظ بأنه عندما تحصل الصدف والأخطاء في تركيبة الحمض النووي، فإننا لا نشهد تطورا والذي هو بطبيعته عملية ترقي على المدى البعيد، بل نشهد انتكاسة على المدى القصير! ويحق لنا أيضا أن نسأل من أين تأتي المعلومات الجديدة؟

كل هذه الأسئلة عجز العلم عن إعطاء أي تفسير لها حتى الآن، وبعد ذلك نجد الملحدين يتبجحون بالعلم التجريبي في الوقت الذي نجد فيه العلم يقف عاجزا عن تفسير أصل ماهية المادة مثلا، حتى وصلت التفسيرات إلى مرحلة الوصف الفلسفي، فهم عجزو عن وضع وصف مقنع ويمكن قيام التجربة عليه لأصل ماهية المادة فغاية ما وصفوها به هو ما ورد في نظرية الأوتار!!

لنرى نماذج أخرى للأمور التي عجز العلم عن وضع وصف أو تفسير مقنع لها وتعتبر من أمهات القضايا التي يبتني عليها الفكر الملحد:

1. أصل ماهية المادة كما ذكرت آنفا.
2. نشوء الخلية الأولى التي بحسبهم يقوم عليها صرح دارون المبجل!
3. القانون الفيزيائي الذي يفسر نشوء الإنفجار العظيم، فهم يعتبرون اصطدام البراينز فيما بينها هو ما أنتج الإنفجار العظيم، لأنهم يواجهون معضلة نشوء المادة من العدم، ولا يعطون نظرية الخلق مبررا منطقيا! وللعلم، فإن اصطدام البراينز لا يبرر وجود كم الطاقة الهائل المتوفر في الإنفجار العظيم!!
4. العلم استطاع توليد الطاقة من المادة بشطر أو دمج النواة، ولكنه عاجز حتى الآن عن توليد المادة من الطاقة!!
5. لا يوجد قانون فيزيائي يستطيع تفسير تكون الذرة من السديم العمائي، وهو السديم الأول المتكون نتيجة الانفجار العظيم، فالمعظلة في كيفية تكون شحنات موجبة وسالبة! وسبب عدم وجود القانون هو ما ذكر في النقطة 4.


أخيرا يقول داوكنز: "ما نحن إلا أخطاء الدي أن أي، أخطاء تراكمت ليوجهها الانتخاب الطبيعي"! وأترك للقارئ الكريم الحكم.

***

في الجزء الثاني من المقال سوف أتطرق إلى الفرضيات البديلة لتفسير التطور، وبعد ذلك نرى هل أن التطور بمعنى تشعب الكائنات من سلف مشترك أمر ممكن بناء على ما جاء من أدلة أحفورية وجينية، أم لا؟

وكذلك سوف نتحدث عن المبررات التي تجعل الملحدين يرفضون نظرية الخلق بداعي وجود تصاميم غير صالحة في جسد الإنسان، وكيف أنهم يبنون عليها فرضيتهم التالية: التصميم الذكي ينفي وجود الله!، لا أدري ماذا أقول، فهل الجهل يصل إلى هكذا مستويات؟!

وفي ختام الجزء الثاني سوف أتحرى النتائج التي طفت على السطح جراء اعتماد مبدأ الانتخاب الطبيعي العشوائي، ومدى تأثيراتها المدمرة على مر السنين في المجتمعات.

تحياتي وإلى لقاء في الجزء الثاني،
ليث

هناك تعليق واحد:

  1. غير معرف9/27/2010 2:05 ص

    رااااااااائع
    استفدت كثيرا
    بارك الله فيك

    ردحذف